يؤمن عالم الآثار البريطاني مورتيمر ويلر أن جوهر علم الآثار يكمن في البعد الإنساني، وليس مجرد دراسة الفخار والقطع الأثرية. هذه الفكرة كانت الركيزة التي استند إليها الدكتور تيموثي باور في مسيرته، حيث لم يرَ في الآثار مجرد أحجار وأدوات قديمة، بل أدلة نابضة بالحياة تسرد قصص الماضي وتواصل تأثيرها على حاضرنا.
تعمّق أكثر في ترات أبوظبي واكتشف أسرار منطقة الحصن، التي تروي فصول التاريخ.
بداية الشغف: عندما تحولت الأساطير إلى علم
منذ طفولته في منطقة كورنوال البريطانية، كان تيموثي مفتونًا بالقصص التي تحيط بالآثار القديمة. هناك، كانت الحجارة الضخمة تحمل في طياتها أساطير عن عمالقة متحاربين أو أشخاص تحولوا إلى حجر.
لم يكن يعلم آنذاك أن هذا الشغف سيقوده في رحلة طويلة لفهم أصول الحضارات، لكنه أدرك بحدسه أن هذه البقايا القديمة تحمل في طياتها ما يستحق الاستكشاف.
كبر هذا الشغف معه، حتى قرر دراسة علم الآثار في جامعة كلية لندن (UCL)، حيث بدأ يستكشف الحضارات القديمة، مع تركيز خاص على الحضارة المصرية. لكن نقطة التحول الكبرى كانت عندما اتخذ قرارًا جريئًا بشراء تذكرة سفر باتجاه واحد إلى القاهرة، لينغمس في التاريخ العربي والإسلامي بشكل أعمق.
من القاهرة إلى أبوظبي: صدفة غيرت المسار
لم يتوقع أو يخطط الانتقال إلى الإمارات، لكنه كان بمحض الصدفة، أو كما يحب أن يصفه بـ"الحظ السعيد". عندما انتقل والديه إلى مدينة العين، قرر أن يستكشف فرص العمل في المنطقة.
بدأ لاحقًا العمل مستشارًا آثاريًا في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي عام 2009، حيث استكشف مواقع أثرية مهمة مثل قصر المويجعي، ومن هنا، أدرك أن الإمارات لم تكن مجرد محطة عابرة، بل مكانًا يحمل قصة ضخمة لم تُروَ بعد.
مع مرور الوقت، أصبحت الإمارات بنظره أكثر من مكان للعمل فقط، بل بيتًا جديدًا يحتضن شغفه. هنا، لم يقتصر دوره على اكتشاف المواقع الأثرية، بل كان يعيد كتابة فصول من التاريخ الوطني لدولة الإمارات، ويساعد في إحياء قصص الماضي للأجيال القادمة.
التاريخ ينبض بالحياة في العين
انتقل الدكتور تيموثي إلى التدريس، حيث عمل في جامعة زايد في أبوظبي، وهناك قرر أن يربط طلابه مباشرة بتراث بلادهم، فأسس مشروعًا بحثيًا لدراسة واحات العين الخمس. كان يقود طلابه سنويًا لاستكشاف هذه الواحات، وتوثيق الأنظمة الزراعية والآثار المحيطة بها، مما ساهم في إنشاء خريطة تفصيلية للأماكن التاريخية في المدينة.
كان المشروع تجربة حية تعيد ربط الشباب الإماراتي بإرثهم الحضاري، متجاوزًا إطار الدراسة الأكاديمية إلى واقع ملموس. ولم يكتفي بالجانب الدراسي من عمله، إذ عُرِضَت نتائج البحث في المتحف البريطاني في لندن، مما جعل الطلاب جزءًا من الحوار العلمي العالمي حول تاريخ الإمارات.
الآثار تكشف وجوه المجتمعات
يرى الدكتور تيموثي أن علم الآثار لا يتعلق فقط بالقصور والمعابد، بل أيضًا بـالأشياء البسيطة التي يتركها الناس وراءهم. فالأواني المكسورة، والعظام المتروكة، وحتى النفايات اليومية، كلها تحمل قصصًا عن كيفية عيش الناس في الماضي.
بأسلوبه الساخر، يتخيل أنه بعد مئات السنين، سيقوم علماء الآثار بالتنقيب عن كمية هائلة من البلاستيك والكمامات التي خلفها جيلنا، والتي ستصبح "طبقة الكورونا" في السجلات الأثرية!
الإرث الذي يتركه وراءه
بالنسبة للدكتور تيموثي، فإن أهم ما يتركه يكمن في الاهتمام والشغف الذي ينقله إلى طلابه، لا في الدراسات والأبحاث فحسب. وقد أصبح الكثير من طلابه اليوم جزءًا من مشاريع أثرية كبيرة، فيواصلون البحث عن جذور تاريخهم، تمامًا كما فعل بنفسه عندما بدأ رحلته.
يقول: "كل قطعة أثرية تحمل قصة، لكن الأهم هو من يروي تلك القصة. باعتقادي أنّ الإرث الأهم الذي اتركه ورائي هو الحماس والمعرفة بعلم الآثار لدى طلبتي".
هل تستوقفك المحطات الأساسية في تاريخ البشرية؟ اكتشف هنا كيف بدينا نكتب!
هل لديك قصة ملهمة تريد أن ترويها للعالم؟ أرسل لنا قصتك وكن جزءًا من قصص أبوظبي! شاركها هنا